الشيخ محمد علي طه الدرة

225

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

بِأَيْدِيهِمْ : تأكيد ، فإنه قد علم : أن الكتابة لا تكون إلا باليد ، فهو مثل قوله تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 38 ] : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ وقوله تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ الآية رقم [ 167 ] من سورة ( آل عمران ) . ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي : يقولون لأتباعهم الأميين : هذا الذي تجدونه هو نصوص التوراة التي أنزلها اللّه على موسى عليه السّلام ، مع أنّهم كتبوها بأيديهم ، ونسبوها إلى اللّه كذبا ، وزورا ، فإذا نظر الأميّون إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلى تلك الصفة المكتوبة في التوراة ؛ وجدوه مخالفا لها ، فيكذّبون ، ويقولون : إنه ليس به . لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا : لينالوا بما كتبوا عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني . هذا ؛ ووصف اللّه تعالى ما يأخذونه بالقلّة إما لفنائه ، وعدم ثباته ، وإما لكونه حراما ؛ لأن الحرام لا بركة فيه ، ولا يربو عند اللّه . قال ابن إسحاق ، والكلبي : كانت صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابهم : « حسن الوجه ، حسن الشّعر ، أجعده ، أكحل العينين ، أبيض ، ربعة » فغيّروها ، وكتبوا مكانها : طويلا ، أزرق ، سبط الشّعر ، والذي حملهم على ذلك : أنّهم خافوا زوال رياستهم ، وانقطاع ما يأخذونه من سفلتهم . وقال الزّهري : عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يا معشر المسلمين ! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتاب اللّه الذي أنزله اللّه على نبيه أحدث أخبار اللّه ، تقرؤونه غضا لم يشب ، وقد حدّثكم اللّه تعالى : أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب اللّه ، وغيّروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند اللّه ؛ ليشتروا به ثمنا قليلا ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، ولا واللّه ما رأينا منهم أحدا قطّ سألكم عن الذي أنزل عليكم ؟ ! . فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا . . . إلخ ؛ أي : فويل لهم ممّا كتبوا بأيديهم من الكذب ، والبهتان ، والافتراء ، وويل لهم ممّا أكلوا من سفلتهم من السّحت الحرام . هذا ؛ وكرر لفظ : ( ويل ) تغليظا لفعلهم ، وتشنيعا لعملهم ، وتقبيحا لسوء صنيعهم . والتكرير واقع في آيات القرآن ، منه ما يكون لمزيد المدح ، ورفعة الشأن ، كما في سورة ( الواقعة ) : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . ومنه ما يكون لمزيد التهويل ، والتخويف ، والزجر والرّدع ، مثل قوله تعالى في سورة ( الواقعة ) : وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ . هذا ؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة ، وقد تطلق على النفس ، والذات كما في الآية رقم [ 194 ] الآتية ، وقد تطلق على القدرة ، والقوّة ، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة ( ص ) رقم [ 17 ] : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ . خذ قول عروة بن حزام العذري ، وهو الشاهد رقم [ 116 ] من كتابنا : « فتح رب البريّة » : [ الطويل ] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها * ومالي بزفرات العشيّ يدان كما تطلق اليد على النّعمة ، والمعروف ، يقال : لفلان يد عندي ؛ أي : نعمة ، ومعروف ، وإحسان . وتطلق على الحيلة ، والتدبير ، فيقال : لا يد لي في هذا الأمر ؛ أي : لا حيلة لي فيه ، ولا تدبير .